لم يعد المرض وحده هو ما ينهك أجساد المواطنين في قطاع غزة، بل غدت رحلة البحث عن تشخيص طبي فصلاً أشد قسوة من فصول المعاناة. ويشتكي مئات المرضى والمواطنين، من تكدس الحجوزات الطويلة والممتدة لأسابيع وأشهر لمجرد إجراء صورة أشعة مقطعية (C.T)، وهي الخطوة الأساسية لتحديد بروتوكولات العلاج للمصابين ومرضى الأورام والحالات الحرجة. وفي ظل دمار المستشفيات الكبرى، بات القطاع بأكمله يترقب عمل جهاز وحيد متبقٍ في مستشفى "يافا" الخاص وسط قطاع غزة، وهو جهاز يضعف تحت وطأة الضغط الهائل ويتعرض للأعطال والتوقف بين الحين والآخر، بفعل الاستهلاك المفرط ونقص قطع الغيار، وفقاً لمصادر من داخل المستشفى. وبفعل هذا الواقع، تحولت ساحات الانتظار إلى مسرح لمأساة صامتة، نسي فيها مواطنون آلامهم الأصلية بفعل طول الترقب. الشاب عبد الله عصفور، يجلس على مقاعد الانتظار ممسكاً بملفه الطبي، مدفوعاً بآلام حادة ومستمرة في الظهر أثارت لديه مخاوف شديدة من إصابته بغضروف يتطلب تشخيصاً عاجلاً. يقول لوكالة "صفا"، "لفيت كل مستشفيات خانيونس، لأحصل على صورة سي تي، وبالكاد وافق الطبيب على كتابة موافقة لي بإجرائها". ويستدرك "هذا طبعًا لأنه لا جهاز متوفر للتصوير، فالجهاز في مستشفى الهلال معطل، وباقي واحد في مستشفى يافا". وبعد معاناة، يجد عصفور "43 عاما"، نفسه، عالقاً في دوامة تأجيل المواعيد وانتظار دور يبتعد يوماً بعد آخر. يقول "تفاجأت بأن مقطع السي تي في مستشفى يافا على الحجز أيضًا، والموعد ليس قبل شهرين ونصف". المواطن مصطفى بركة يتساءل في شكواه لوكالة "صفا"، "إذا انتظرتُ أنا الدور والمواعيد البعيدة، كيف أوجاع جسمي تنتظر؟!". ويطارد بركة "56 عاما"، موعداً للصورة بعد رحلة علاج طويلة ومضنية لآلام مبرحة في قدميه، لم تفضِ إلى أي نتيجة. وبسبب هذا "أنا عاجز اليوم، عن خطو أي خطوة علاجية جديدة دون هذا الفحص التشخيصي"، يروي معاناته. وتلخص الشابة ياسمين اللوح، التي تحتاج لصورة عاجلة لمتابعة نزيف داخلي سابق، هذا البؤس بقولها "إن مأساة الانتظار والخوف من توقف الجهاز مجدداً، يجعلنا ننسى أوجاعنا الحقيقية". تضيف لوكالة "صفا"، أن "طاقتي كلها الفترة الماضية، ذهبت في البحث عن تأمين حجز قريب، والوصول إلى شاشة التصوير قبل فوات الأوان". هذا الشلل الطبي الخانق لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استهداف ممنهج ومباشر من قبل الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة. فالاحتلال دمر كافة أجهزة التصوير الإشعاعي من رنين مغناطيسي، وأشعة مقطعية، وأجهزة الأشعة السينية في كبرى المجمعات الطبية والمستشفيات الحكومية والأهلية لإخراج المنظومة التشخيصية عن الخدمة بشكل كامل. ويفيد رئيس قسم المعلومات وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، بأن 11 جهاز تصوير مقطعي (CT)، تم تدميره في القطاع، من أصل 17 جهازًا كانت تخدم أكثر من مليوني مواطن قبل الحرب. ولكن الوحيدي، يشير إلى أن ستة أجهزة تصوير، بقيت في القطاع بعد حرب الابادة، تتعرض للعطل، بفعل الضغط الشديد وعدم توفر قطع الغيار. ويؤكد انعدام وجود أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) تمامًا من قطاع غزة، في وقت يحتاج المئات من المواطنين والمرضى لهذا النوع من الصور. جميع الحقوق محفوظة صفا - وكالة الصحافة الفلسطينية ©2026